عناق الخنق/ بقلم الكاتبة: إستبرق عبد الكريم البهيليل

 ⁃ عناق الخنق 


وافِر عدد المرات التي عانقنا فيها أنفسنا حين الخطأ، و حين اقتراف السوء، و التورط في الفشل، نحنُ لا نعلمها  و نعرفها و نرشدها و نتقنها الصواب، كلا بل نحن نعانقها و نقف إلى جانبها، نعاضدها و نبرر لها، بالرغم من غلطها، ظانين أن هذا هو حُب الـنفس، و ما هذه إلا ظنانة خاطئة، لا أدري متى سنفهم أن هذا العِناق ليس عناق حب، بل هو عناق خطأ و إخفاق، نخنق الـنفس به، و نثير اشمئزازها، و لا نظفرها بـفوز.


حِين الشجار و التنازع مع أحد مثلًا، أيا ويلتي تحل الشرور، نرتدي جميعًا طلة الـمظلومين، كلٌ يبدأ في التبرير لنفسه و تنزيهها، أنا أدعي البراءة، و أنت تقترف ذات الفعل الشنيع، و كلٌ يرمي الآخر بالسوء و العيب و النية الملوثة و الشر، و يحصل -نتيجة لهذا- و رغمًا عن المودة الشديدة أحيانًا فراق و بعد و شنآن، بدلًا من تهدئة الأنفس و التفاهُم ؛ لنصل للوِفاق.


حتى في المُعضلات الشخصِية، نحن نسحق قوى الأنا و نهلكها بقنابل الطمأنة، نحن نردد و نكرر في العُمق عبارات مثل:"لا ذنب منك، لا خوف عليك، هذا كله من المُجتمع الحقود، أنت ضحية، مسكين، مظلوم، انتحب على الأيام أيها الملاك النقيّ، لا تفعل شيئًا، ارمِ أوزارك على المجتمع، والدك، أمك، عم جدك، جاركم التاسِع، المُهم أنك بريء أبيـض السريرة، لا تخف".


ساء ما نحكم، نحن في مثل هذه الأوقات و غيرها، نضيع قوانا، و نهيج الأسى -بلا داعي-، نخور أقدامنا، نكسر القلُوب، و نتصارع، و نتناحر حول اللاشيء ! ما هي إلا حاجة في نفس الشيطان قضيناها له و فرحناه، يا فرحتنا تحاقدنا، و الكُل استكبر عن التسامح، و عاند.


الفِطرة السليمة دائمًا تحاول أن توقف مثل هذه العروض الدرامية البحتة و عمليات اغتيال العلاقات، صـوتها يعارضنا، صوتها يجلجل في ذات العُمق، في دواخلنا، يخبرنا بحدة بأن نكف كذبًا و زورًا، و نقر بأن نفسنا مُستقلة مُفردة، و يجب أن نتحمل وزر الخطأ، و نعتذر، و نسامح، و نغفر، هي تحادثنا، فهل نعقل و نستمع ؟.

كلا ثكلتنا أمهاتنا، نتجاهل بـشدة، و لا نبالِي بتراكم الصراعات فوق بعض، ثم نرمي حظنا بأبشع الصفات، و نبدأ مع كافة أعضائنا النشيج في ركن الدار، يا حسرتنا نحن المساكِين!.


لو نلحظ حياتنا بـعين مُنصفة، لرأينا أن مُعظم معضلاتها سببها أننا لا نجيد التصرف مع النفس البشرية التي وكلنا بها، فنحن لا نعلم أيان نضرب بالسوط، و أيان نُقبل و نحنو علينا.


تمضي حياتنا في نسـق غير جيد البتة، تمضي و نحن مُتزمتي الآراء، ننشغل بالـتوافه، و نذرف الدموع لأجلها، و ننسى في كثير من الأحيان سبب خلقنا الأول -العِبادة- ، و ننسى أيضًا أن نأخذ نصِيبنا من السعادة في الدنيا.


هيا أحبة، إن القلب لا يرتاح حِين يمتلئ حقدًا، إنه يمُوت، فتعلم ثقافة الإعتذار و التسامح، سامِح سواء كنت المُذنب أو كنت الـبريء.


النفس لا ترتاح حين تلقي أثقالها على الآخرين، إنها تموت، فتعلم أن تتحمل اثمك وحيدًا، و تعالج تصدعات مشاكِلك وحيدًا؛ لأنك ستحاسبُ مفردًا.


اعلمُ أن الكلام في ما شابه هذه المواضيع سهل يسِير، لكن التنفيذ يحتاج قِوى جبَّارة تعين، فاطلب المعونة من القوي العزيـز -جل جلاله-، و لا ضير أيضًل في طلب الـعون من الرفيق و الصديق، أنت حين تقرر ترك هذه الموبقات -من وجهة نظري الشخصِية- و تبدأ في استنكارها، أنت تبدأ في التمثل للشفاء، و تبدأ في الـتريح من العناء الأبدي، الذي يقوم بمصارعته مليارات الخلائق مُنذ فجر الخليقة.


هذا المرض-الإنحياز المستمر للنفس في كُل الأحوال- و الذي نفسي بـيده مميت قاتل .



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما الذي فعلته هذه الحرب؟/ بقلم الكاتبة: أروى عادل الشويهدي

قلق/ بقلم الكاتبة: سجى الساحلي

مرحبًا يا حالي/ بقلم الكاتبة: سجى الساحلي