مذكرات طفلة/ بقلم الكاتبة: مريم الربيعي
"مُذكرات طفلة"
في صغري كان اكثر الأمور مُبالغةً بِنظري، هي ردات فعل بعض الأشخاص بالأفلام، فَكُنتُ انظرُ لتلك التي انتحرت بعدما توفِي زوجها، وذاك الذي لجأ لإدمان الكحول والمُخدرات اثر ما خانتهُ خطيبتهُ، والفتاة التي اغرقت نفسها بحوض الإستحمام لعدم قبولها بالطب، إلى آخرهِ مِن ردات الفعل المُشابهة، نظرتُ إليها نظرة أن كُل هؤلاء أُناسٌ ساذجين، لا يفقهون المعنى الحقيقي للحياة، بأنها فانية، ولكن حينما وصلتُ لِعمُر السابعة عشر ربيعًا، وحتى أكون صادقة لَم يكونوا ربيعًا؛ كانوا أيامًا عِجافًا، بِمثابةِ فصلِ خريفٍ لا ينتهي، تحولتُ تحولًا كُليًا مِن طفلةٍ بكامل اتزانها النفسي، إلى مُراهقة مُضطربة نفسيًا وعاطفيًا وكُليًا مِن جميعِ النواحي، كانت خطيئتي الكُبرى، هي ظني أن كُل مَن وطأت قدماهُ ارضي، اقصد ارض قلبي، هو جُزءٌ مِنها، لن يُغادرها إلا عندما يتوفاني الموت، وترتسم ذكرى جميلةً عني بِمُخيلتهِ، على كُلِ حال كانت تلك أحلامي الوردي، الشبيهةِ بقميصِي الوردي المُفضل الذي تلطخ بالوحلِ بعدما تعثرتُ بتلكَ البركة المليئة بالماء، كذاك القميص كانت أحلامي لا يتناسب ارتدائُها، خيبة تليها خيبة، مُتجاوزة ما يحدث، مُتوهمة أن كُل ما مسهُ الخراب بِداخلي سَيُرمم، إلى أن أصبحتُ مُثقلة بالخيبات، فأنا وزني يُضاهي وزن ريشةٍ أو جناح فراشة، ووزنُ ما أكبتهُ داخلي يُضاهي وزن جبلٍ شاهقٍ، ولكنِّي كُنتُ شديدة الصبر، سعيتُ أن أبتلع كُل ذاك الألم المُحيط بيّ، ولكنهُ الكتمان كان أسدًا شَرِسًا غير قابل للترويض، سقط قِناع القوة الذي كُنتُ أرتديهِ؛ فأنا لم أكُن قويةً مِن الأساس، إنما كُنتُ أتظاهر بِذلك، والتظاهر بالقوة، أمرٌ بِحد ذاته يحتاج إلى قوة، وأنا ما كنتُ أقوّى حتى على التنفُس، فإنِّي دفنتُ شخصًا حيًا بِداخلي، وقد كان يُحاول الخروج مِن قبرهِ، حتى يضع تلك الشخصية التي تقمستُها مكان ما دفنتهُ؛ فهِي ليست أنا، تمُر الأيام، تمُر مرورًا ثقيلًا، وكأنها غيمٌ أثقلهُ المطر، ومع مرورِ الأيام، كُنتُ امشي بِبُطء على طريقِ الموت البطيء، قابلتني بِذاك الطريق أمورٌ شنيعة، ألم بين خلايا العقل يُدعى بالصُّداع، ألم بِمُنتصف الجسد يُدعى بأعصاب المعدة، كدمات زرقاء بأطراف الجسد كانت مِن أثرِ الأحزان، وأخيرًا انهيارات عصبية مُتتالية، فحتى صوت قطرات الماء مِن بينِ فجواتِ الصنبور بالمطبخ، كان يُثير اعصابي تهيُجًا، زُرتُ جميع المُستشفيات بِمدينتي، أخذتُ بِنصيحة كُل طبيب قابلتهُ، بِتُ فأر تجارب لِكُلِ دواءٍ مُهدئ للأعصاب، إلى أن تعافيتُ كُليًا مِما حدث، أتسأل كيف ذلك؟ ذلك لإن حقًا الحياة لا تقف على أحد، بالمعنى الأصح الحياة لا تنتظر أحد، لا تنتظر استيعابك لِدروسها، وأنا كان مدى استيعابي بطيء جدًا، في حين كان يجب أن ابتسم على خيبةٍ أنضجتني، كُنتُ جالسةً على رصيف الشوقِ، مُنتظرة مَن أخطئ بِحقي، مُتعطشة لِسماعِ اعتذارهِ، عجبًا ليّ! أنا التي كُنت أتوهم بأن الأشخاص الذين يتعاملون مع الحياةِ بِقلوبهم، مكانهم فقط بالأفلام، أقف اليوم مُعلنة آسفي عما قُلتهُ، وأقرُ صِدقًا أنني أنتمي لأُولئك الذين يسعون لنشر نقاء ظنوهم كرذاذ المطر على العالمِ أجمع، المجد لنا، نحنُ الطاهرون طُهر ثوب صلاةٍ لا يمسهُ دنسٌ.
-مريم الربيعي
تعليقات
إرسال تعليق