ها أنا ذا/ بقلم الكاتبة: منصورة المجبري
ها أنا ذا، أحتضنُك مُعطراً بدمائك، بدلاً مِن عِطرك الذي أهديتُهُ لكَ لتَتعطر به يَومَ لِقائنا المُنتظر، لطالماَ حلُمتُ بأن أغوصَ في حُضنك، رُغم خجلي عندما تتحاضنُ النظرات بدلاً عن ذلك، لطالما حلمتُ بِكَ في ذلكَ اليوم، يومَ لا يَعرفُ عنواناً سوى الحُب، يوم قطع المسافات، يوم ربط الوتينان ببعضهما، يوم لا يَعرفُ سواي وأنت، أرسلت لي رسالة بأنكَ ذاهبٌ لتلبيةِ نِداءِ وطنك، بكيتُ حينها، وطلبتُ مُقابلتك، قابلتُكَ دون علم والديّ لأول مرة، وعاتبتُكَ بصياحٍ كما الدجاجة : هل يعقل هذا؟! هل أنتَ جاد؟ لقد اقترب موعد زفافنا ! لا يفصلنا عنهُ سوى خمسةُ أيامٍ لا أكثر !
فأجبتني قائلاً : عزيزتي، شوقي لكِ لا يقلُّ عن شوقي بأن أرى وطني طاهراً من دناسة المُحتلين، أيعقلُ أن أفرحَ أنا، وفي الآن ذاته تُغتصبُ أرضي وتُنهب؟!
عزيرتي أعلمُ أن الأمرَ صعبٌ عليكِ، لكن هذا واجبي، ليسَ بوسعي سِوى القيام به !
وابتسمَ وأمسك بيدي وأضاف قائلاً : أعدُكِ سأعودُ بعد غد، وسيكونُ يومُنا، مع يوم النصر، سأنتصرُ بوطني، وبكِ ....!
وكُنتُ مع هذه الكلمات قد نَضحتُ بُكاءاً فمسح دموعي وقبل جبيني وانصرف مع دموعٍ في عينيه،أذكرُ نظرته تلك، وكأنه كان يُودعني ! وكأنه لو كان بمقدوره أن يَقول لي إنهُ لِقاؤنا الأخير ! ذهب ،وَ عُدتُ للمنزلِ ركضاً أتخبطُ مع تِلكَ الكَلِمات التي تفوهَ بها بكُلِّ لين، لم أنم ليلتها، وكُنتُ أنتظرُهُ عِندَ مغربِ اليوم التالي، فقد عادت مواكبُ الجيش مع إنتصارٍ عظيم، كُنتُ أرى الضباط والجنود يقفزون من أحصنتهم نحو أهاليهم ، كُنتُ أبحثُ عنه وَسط الإزدحام، وبالفعل وَجدتُه، وَجدتُهُ على عربةٍ مملوءةٍ بالجرحى، أخذَ الرُعبُ ينهشُ خُطواتي، حتى غَدت أثقلَ من الجبال، كُنتُ أسيرُ في خطواتٍ مؤلمة، وسألتُ أحد الجنود عنه، وإن كان جُرحهُ بسيطاً أم عميق، فأجابني : هذه ليست عربة الجرحة، إنها عربةُ الشُهداء ...!
تفاحمتِ الرؤيا أمامي ، كنتُ قد فقدتُ حالة السمع لبعضٍ من الوقت، شعرتُ بأن جزءاً مِني قد أُقتلعَ، أخرجهُ الجندي ووضعه على شيءٍ لم أعرفه من تشتُّتِي القاتم، وقعتُ بجانبه، حضنتهُ للمرةِ الأُولى، غريقةٌ في دموعي، مُكتظَةٌ بالآسى ، مُزينةٌ بدماءه،قد جمعنا القدرُ في رِداءٍ أبيض، لكنَهُ ليسَ فُستاني وإنما كفنه !
كُنتُ أحتضنُ جسده، لكن روحه قد سبقتني السمَاءُ بإحتضانها .....!
وداعاً ياعزيزي، وداعاً يا وتيني ! تَركتني ! لقد ذهبت أنتَ ووعدُكَ لي ! لمَ خلفت وعدك ؟ لمْ تعتد على فعل هذا !
وسطَ هذه الجُمل ،وسط الشُعور المؤلم
كُنتُ أبكي كما المطر، وجوفي مُشتعلٌ كالبُركان، كانت الدموع تنزلُ على باطني كالبنزين ، يَزيدُ إشتعالي، لا يُخففها كما يُقال ، كُنتُ أهدأُ لِبُرهة، وأهيجُ لساعات،صارخةً : بهذهِ السُرعة سُرِقتَ من بينِ أضلعي؟ بهذهِ السُرعة هجرتَ روحي؟ بهذه السُرعة تَركتني ؟
هل حُبكَ لوطنك أكبرُ مِن حُبكَ لي؟!
هل شوقك لتُرابِ أرضك أكثرُ من شوقك لي؟ لقد انتصرت ... وانتصرتُ أنا كذلك بِحُبي لك ... وداعاً يا شاطِرَ الروحِ والفؤاد لِقاؤنا عند الخالق في الجِنان ، وداعاً .....
منصورة المجبري
تعليقات
إرسال تعليق