ما بعد الحروب/ بقلم الكاتبة: بشرى عبد الحميد شبلكة
"عودة حزينة"
النهاية، التي تأخذُ من العمر دهراً، راجعاً بمقبرةٍ في قلبه حاملاً كل أصدقائه بها، محملاً بأعباء نفسياً، فقداً ليده، الوطن يا عزيزي الوطن!، وهل يوجد أغلى منه؟.
وضعت السلاح أرضاً ونظرت لقريتي من بعيد، كم مضى من الوقت؟ سنة؟سنتين؟، من النظرة الأولى عرفت أن الحرب لحقت بها أيضاً، الكثير من البيوت المهدمة وقلبي أيضاً، إبنتي الحبيبة التي لم أستطع حضور أول يوم لها في المدرسة بسبب الحرب اللعينة، طلبت منها أن تنتظرني، وعاهدتها أنني سأرجع يوماً ما، وزوجتي كم بكت، ليلتها لم تتوقف عن النظر لي أبداً، تعرف أنها ربما تكون الليلة الاخيرة لكلينا معاً.
ما بعد الحروب دائماً هكذا، يرجع من بقى من الجنود ناقصاً شيء، بينما القادة الذين كانوا يظهرون كوجه علني للحرب فقط، في بيت واحد للأحتفال بنهاية الحرب التي لم يفقدوا فيها ظفراً.
"الحرب خُدعة"هكذا كانت وهكذا ستكون للأبد، مُجرد خدعة تضيع بها حيوات الكثير والكثير.
أستقبلني شيخ قريتي بوجه محبط حزين، يفسر ما حدث، يتلكلك بكلماته كل ما سألته عن زوجتي وإبنتي، كان الأمر واضحاً ولكن أبى قلبي أن يقتنع، ورغم هذا أنا معتاد على فقد الأحبة، بعد اجتماع كبار القرية أخبرني بنبرة حزينة بوفاة زوجتي قبل سنة، واختفاء ابنتي حينها، كان الشيخ يحاول تخفيف وزر الأمر، يطبطب علي بيده ويحاول تصبيري، يخبرني أنه لاربما تكون حية، في مكاناً أخر من هذا العالم الكبير.
نهضت من بينهم على بطىء، وقفت على ما تبقى من بيتي المدمر، ذكريات، ضحكات، والكثير من الألام، هذا ما كان عليه الأمر.
"مذكرات جندي"
سمعت من قبل أن الذكريات سواء أكانت سعيدة أو حزينة، تكون مؤلمة دائماً، وهذا ما عليه الأمر فعلاً.
جلست ممسكاً بحقيبتي على ما تبقى من بيتي، أرسلت لي رسالة كتابية قبل وفاتها مرفقة بصور "لين" وهيا تستعد للذهاب للمدرسة، كانت كلماتها رقيقة، حزينة، ومشتاقة كثيراً، لقد كنا معاً طويلاً، مُنذ الثانوية، وحتى الأن، كانت رائعة مُحبة ومضحية جداً، قبراً جديداً يحفر في قلبي، ضممت صورتها لقلبي بقوة، كانت تستقبلني هكذا دائماً، بحضن قوي بعد مشقة العمل، لأول مرة أعود ولم تكن هنا، أشعر وكأن شيء أُخذ من قلبي.
كانت فرقتي تتكون من 21 جندياً أكبرهم يبلغ الثامنة والعشرين من عمره والأصغر في السابعة عشر، أتذكر صديقي"مُهاب" الذي حملته على ظهري ليوم كامل ورصاصة كانت تخترق جسده، كان أخي وأقرب حتى، أخبرني أن أمه تنتظره في البيت لتعد له فطيرة التفاح أحتفالاً بعودته من الحرب، وخطيبته التي تنتظر رجوعه لإقامة الزفاف، الكثير من الأحلام المحطة في ساحة المعركة، ومع كل رصاصة تطلق يُقتل حلم وحياة، تسقط جثة لتسقط بعدها العديد من الجتث لأحبائه، يموت مع كل الذين أحبوه وهم أحياء.
هكذا هي الحرب، باردة، قاتلة وأنانية.
ليس حظاً أن تكون الناجي الوحيد بين العديد من القتلة، خادعة لأني في لحظتها تمسكت بالحياة للرجوع لعائلتي، ولم أجدهم.
"جملة الوداع"
يقولون أنه عندما تموت أم الأنسان يدفن طفولته معها،ماذا نقول عندما يموت ولد الأم؟.
بكتف معبى بالهموم وخطوات تتردد في التقدم،أضع يدي على الباب لأطرق وأتراجع،في نهاية كان علي فعلها،فتحت الباب بسرعة،بعيونها المترقبة الفرحة،كانت تنتظر لسنوات وأيام ودقائق،ليدخل أبنها حاملاً ورداً ويقبلها،نظرت بأستغراب ليدي المقطوعة،سألتني من أنت،أجبتها أنا عُمر صديق أبنك مُهاب.
أبتسمت أبتسامة واسعة ونظرت حولي وقالت وأين هو هل تأخر قليلاً.
أكره هذه اللحظة عندما تخبر أحد بموت أحد،أكره لحظات الوداع القاتلة،كيف يُقال لأم أن أبنها مات.
لم أنطق حرفاً،أكتفيت بالنظر لها،فهمت أخيراً،رغم أنها حركت رأسها بالنفي في البداية،ولكنها صرخت أخيراً،بقوة،بحزن،بقلب أم فقدت أبنها.
هل يدفن الأنسان نفسه مع أبنه عندما يموت،أعتقد أنها الأجابة الصحيحة.
وضعت صندوقاً كان يحمله معه دائماً على الطاولة،وأخرجت ورقة وخاتم من جيبي.
كان خاتم خطوبته،كان ينظر له دائماً وكأنه أعظم أنجازته،يحكي لنا عن حياته المستقبلية مع الفتاة التي يحب وست أطفال معه في البيت،كان متأملاً من العودة حياً،رصاصة واحدة كانت كفيلة بأنهاء وتبخير كل هذا.
أعطيت الرسالة لخطيبته،كان قد كتبها قبل وفاته بأيام،الكل يملك رسالة وداع في جيبه وحتى أنا.
أعطيتها الخاتم أخيراً حيث كانت تجهش بالبكاء،وتمسك قلبها.
بقت أمنياته مُعلقة فوق قبره،كما حل كل الجنود.
تعليقات
إرسال تعليق